الجصاص
301
أحكام القرآن
مملوك ، وأما إجارة البيوت فإنما أجازها أبو حنيفة إذا كان البناء ملكا للمؤاجر فيأخذ أجرة ملكه ، فأما أجرة الأرض فلا تجوز ، وهو مثل بناء الرجل في أرض لآخر يكون لصاحب البناء إجارة البناء . وقوله : ( العاكف فيه والباد ) روي عن جماعة من السلف أن العاكف أهله والبادي من غير أهله . قوله تعالى : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) ، فإن الإلحاد هو الميل عن الحق إلى الباطل ، وإنما سمي اللحد في القبر لأنه مائل إلى شق القبر ، قال الله تعالى : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) [ الأعراف : 180 ] ، وقال : ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ) [ النمل : 103 ] أي لسان الذي يؤمنون إليه . و " الباء " في قوله : ( بإلحاد ) زائدة ، كقوله : ( تنبت بالدهن ) [ المؤمنون : 20 ] أي تنبت الدهن ، وقوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) [ آل عمران : 159 ] . وروي عن ابن عمر أنه قال : " ظلم الخادم فما فوقه بمكة إلحاد " . وقال عمر : " إحتكار الطعام بمكة إلحاد " . وقال غيره : " الإلحاد بمكة الذنوب " . وقال الحسن : " أراد بالإلحاد الإشراك بالله " . قال أبو بكر : الإلحاد مذموم لأنه اسم للميل عن الحق ولا يطلق في الميل عن الباطل إلى الحق ، فالإلحاد اسم مذموم ، وخص الله تعالى الحرم بالوعيد في الملحد فيه تعظيما لحرمته . ولم يختلف المتأولون للآية أن الوعيد في الإلحاد مراد به من ألحد في الحرم كله وأنه غير مخصوص به المسجد ، وفي ذلك دليل على أن قوله : ( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) قد أريد به الحرم ، لأن قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد ) هذه " الهاء " كناية عن الحرم وليس للحرم ذكر متقدم إلا قوله : ( والمسجد الحرام ) ، فثبت أن المراد بالمسجد ههنا الحرم كله . وقد روى عمارة بن ثوبان قال : أخبرني موسى بن زياد قال : سمعت يعلى بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتكار الطعام بمكة إلحاد " . وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال : " بيع الطعام بمكة إلحاد ، وليس الجالب كالمقيم " . وليس يمتنع أن يكون جميع الذنوب مرادا بقوله : ( بإلحاد بظلم ) فيكون الاحتكار من ذلك وكذلك الظلم والشرك ، وهذا يدل على أن الذنب في الحرم أعظم منه في غيره . ويشبه أن يكون من كره الجوار بمكة ذهب إلى أنه لما كانت الذنوب بها تتضاعف عقوبتها آثروا السلامة في ترك الجوار بها مخافة مواقعة الذنوب التي تتضاعف عقوبتها . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يلحد بمكة رجل عليه مثل نصف عذاب أهل الأرض " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم ورجل قتل غير قاتله ورجل قتل بذحول الجاهلية " .